أحمد بن محمد القسطلاني
255
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
العاصين منهم رأفة ورحمة منه عليه الصلاة والسلام . ولمسلم من حديث عائشة : كان النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا عصفت الريح قال : اللهم إني أسألك خيرها . وخير ما فيها وخير ما أرسلت به . وأعوذ بك من شرها ، وشر ما فيها ، وشر ما أرسلت به . قالت : وإذا تخيلت السماء تغير لونه ، وخرج ودخل ، وأقبل وأدبر ، فإذا أمطرت سرّي عنه ، فعرفت ذلك عائشة فسألته ، فقال : " لعله يا عائشة كما قال قوم عاد { فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا } [ الأحقاف : 24 ] . وعصف الريح : اشتداد هبوبها ، وريح عاصف : شديدة الهبوب . وتخيل السماء هنا بمعنى : السحاب ، وتخيلت إذا ظهر في السحاب أثر المطر . وسرّي عنه ، أي : كشف عنه الخوف وأزيل ، والتشديد فيه للمبالغة . وعارض : سحاب عرض ليمطر وقوله في حديث الباب : الريح الشديدة ، مخرج للخفيفة . وروى الشافعي : ما هبت الريح إلا جثا النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، على ركبتيه ، قال : " اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا ، اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا " . 26 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « نُصِرْتُ بِالصَّبَا » ( باب قول النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . نصرت بالصبا ) بفتح الصاد والموحدة والقصر . 1035 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « نُصِرْتُ بِالصَّبَا ، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ » . [ الحديث 1035 - أطرافه في : 3205 ، 3343 ، 4105 ] . وبه قال : ( حدّثنا مسلم ) هو : ابن إبراهيم ( قال : حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن الحكم ) بفتحتين ، هو : ابن عتيبة ( عن مجاهد ) هو : ابن جبر المفسر ( عن ابن عباس ) رضي الله عنهما ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : ) . ( نصرت بالصبا ) الريح التي تجيء من قبل ظهرك إذا استقبلت القبلة وأنت بمصر ، ويقال لها : القبول ، بفتح القاف ، لأنها تقابل باب الكعبة إذ مهبها من مشرق الشمس . وقال ابن الأعرابي : مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش . وفي التفسير : أنها التي حملت ريح يوسف إلى يعقوب قبل البشير إليه . فإليها يستريح كل محزون . ونُصْرَته عليه الصلاة والسلام بالصبا كانت يوم الأحزاب ، وكانوا زهاء اثني عشر ألفًا حين حاصروا المدينة ، فأرسل الله عليهم ريح الصبا باردة ، في ليلة شاتية ، فسفت التراب في وجوههم ، وأطفأت نيرانهم ، وقلعت خيامهم ، فانهزموا من غير قتال . ومع ذلك فلم يهلك منهم أحد ، ولم يستأصلهم ، لما علم الله من رأفة نبيه عليه الصلاة والسلام بقومه رجاء أن يسلموا . ( وأهلكت ) بضم الهمزة وكسر اللام ( عاد ) قوم هود ( بالدبور ) بفتح الدال ، التي تجيء من قبل وجهك إذا استقبلت القبلة أيضًا ، فهي تأتي من دبرها . وقال ابن الأعرابي : الدبور من مسقط النسر الطائر إلى سهيل ، وهي الريح العقيم ، وسميت عقيمًا لأنها أهلكتهم ، وقطعت دابرهم . وروى شهر بن حوشب ، مما ذكره السمرقندي ، عن ابن عباس ، قال : ما أنزل الله قطرة من ماء إلا بمثقال ، ولا أنزل سفوة من ريح إلا بمكيال ، إلا قوم نوح وقوم عاد ، فأما قوم نوح طغى على خزانه الماء ، فلم يكن لهم عليه سبيل ، وعتت الريح يوم عاد على خزانها ، فلم يكن لهم عليها سبيل . وقال غيره : كانت تقلع الشجر ، وتهدم البيوت ، وترفع الظعينة بين السماء والأرض ، حتى ترى كأنها جرادة ، وترميهم بالحجارة فتدق أعناقهم . وعن ابن عباس : دخلوا البيوت وأغلقوها ، فجاءت الريح ففتحت الأبواب وسفت عليهم الرمل ، فبقوا تحته سبع ليال وثمانية أيام ، فكان يسمع أنينهم تحت الرمل . وبقية مباحث الحديث تأتي ، إن شاء الله تعالى ، في بدء الخلق . واستنبط منه ابن بطال تفضيل المخلوقات بعضها على بعض من جهة إضافة النصر للصبا ، والإهلاك للدبور . وتعقب بأن كل واحدة منهما أهلكت أعداء الله ، ونصرت أنبياءه وأولياءه . اه - . وأما الريح التي مهبها من جهة يمين القبلة : فالجنوب ، والتي من جهة شمالها : الشمال . ولكل من الأربعة طبع : فالصبا : حارة يابسة ؟ والدبور : باردة رطبة ، والجنوب : حارة رطبة والشمال : باردة يابسة ، وهي ريح الجنة التي تهب عليهم ، رواه مسلم . 27 - باب مَا قِيلَ فِي الزَّلاَزِلِ وَالآيَاتِ ( باب ما قيل في الزلازل والآيات ) . 1036 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ ، وَتَكْثُرَ الزَّلاَزِلُ ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ - وَهْوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ - حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضُ " . وبه قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع ( قال : أخبرنا شعيب ) هو ابن أبي حمزة ( قال : أخبرنا ) ولأبوي ذر والوقت ، وابن عساكر : حدّثنا ( أبو الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( عن عبد الرحمن ) بن هرمز ( الأعرج عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( قال : قال النبي ) : ( لا تقوم الساعة ) أي : القيامة